الغزالي
168
إحياء علوم الدين
ونحن نرى أن الأولى تركه في أكثر الأحوال ، بل أكثر مباحات الدنيا الأولى تركها إذا علم أن ذلك يؤثر في القلب ، فقد خلع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] بعد الفراغ من الصلاة ثوب أبي جهم ، إذ كانت عليه أعلام شغلت قلبه ، أفترى أن ذلك يدل على تحريم الأعلام على الثوب ، فلعله صلَّى الله عليه وسلم كان في حالة كان صوت زمارة الراعي يشغله على تلك الحالة ، كما شغله العلم عن الصلاة ، بل الحاجة إلى استثارة الأحوال الشريفة من القلب بحيلة السماع قصور بالإضافة إلى من هو دائم الشهود للحق ، وإن كان كمالا بالإضافة إلى غيره ، ولذلك قال الحصري ما ذا أعمل بسماع ينقطع إذا مات من يسمع منه إشارة إلى أن السماع من الله تعالى هو الدائم . فالأنبياء عليهم السلام على الدوام في لذة السمع والشهود ، فلا يحتاجون إلى التحريك بالحيلة ، وأما قول الفضيل هو رقية الزنا وكذلك ما عداه من الأقاويل القريبة منه فهو منزل على سماع الفساق والمغتلمين من الشبان ولو كان ذلك عاما لما سمع من الجاريتين في بيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وأما القياس : فغاية ما يذكر فيه أن يقاس على الأوتار ، وقد سبق الفرق ، أو يقال هو لهو ولعب وهو كذلك ، ولكن الدنيا كلها لهو ولعب ، قال عمر رضي الله عنه لزوجته : إنما أنت لعبة في زاوية البيت ، وجميع الملاعبة مع النساء لهو إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد ، وكذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال ، نقل ذلك عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] وعن الصحابة ، كما سيأتي تفصيله في كتاب آفات اللسان إن شاء الله ، وأي لهو يزيد على لهو الحبشة والزنوج في لعبهم ، وقد ثبت بالنص إباحته ؟ على أنى أقول : اللهو مروح للقلب ، ومخفف عنه أعباء الفكر ، والقلوب إذا أكرهت عميت ، وترويحها إعانة لها على الجد ، فالمواظب على التفقه مثلا ، ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة ، لأن عطلة يوم تبعث على النشاط في سائر الأيام ، والمواظب على نوافل الصلوات في سائر الأوقات ، ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات ولأجله كرهت الصلاة في بعض الأوقات ، فالعطلة معونة على العمل واللهو معين على الجد ، ولا يصبر على الجد المحض ، والحق المر الا نفوس الأنبياء عليهم السلام .